ذكر الشيخ محمود مقديش في نزهة الانظار “كانت ارض صفاقس ربوة نزل بها قوم يقال لهم الاعشاش واخرون يقال لهم النواولة وأنشأوا اخصاصا من خوص يسكنون فيها ويتمعشون من صيد البر والبحر واتخذوا في مكان القصبة الآن محرسا وبني البرج الاحمر المحاذي لسيدي جبلة وصارت ارض صفاقس محرسا من المحارس وأنشئت عدة قرى حواليها بساحل البحر وكانت متصلة ببعضها متقاربة وصار اهل هذه القرى يأتون كل يوم جمعة ويقيمون في سوق صفاقس يوما كاملا كما هو موجود الان ببعض المدائن واتخذت فيها فنادق لحفظ دواب الواردين اليها وامتعتهم وكثر الواردون حتى صار يأتي اليها من البحر اهل قابس وجربة وقرقنة فاحدثت اذ ذاك مرسى لهؤلاء القادمين وتحسن العمران وظهرت الرفاهية على اهلها وانشأوا مساكن وكثر النازلون بها حتى كان زمان ابي ابراهيم احمد بن الأغلب رحمه الله احد ملوك الدولة الاغلبية ولما رأى هذا الامير صفاقس وما فيها من السكان امر علي بن سالم جد سيدي ابي اسحاق الجبنياني ببناء سور مدينة صفاقس من الطوب على ما اجتمع من المساكن والفنادق فصارت اذ ذاك صفاقس مدينة بسورها لا سوقا من الاسواق وكان بناء هذا السور سنة 245 هجرية”.
يكتشف المتجول في شوارع الاحياء السكنية في المدينة العتيقة مسالكها المختلفة منها الضيقة والمنعرجة والواسعة نسبيا ويسمى الواحد منها زنقة او شارع او سكة او زقاق، ومرا اذا حاذت السوق من الداخل وسباطا ان كانت مسقوفا.
على جوانب هذه المسالك والازقة نجد الدور والمنازل الصفاقسية العتيقة التي تتميز بصغر مساحتها وتناسق معمارها، وهي لا تختلف كثيرا عن دور مدينة تونس العتيقة. يتكون المنزل الصفاقسي من بيوت نوم وبيت الاستقبال والمطبخ والحمام والمطهرة وبيت المونة وبعضها تعلوه طوابق أو العلي. اذ نجد السقيفة التي تنتهي برواق او برطال مرفوع على اعمدة واقواس من الرخام او الكذال، ويشرف على ساحة المنزل او الوسطية التي تحيط بها الغرف التي تكون مستطيلة الشكلات اسقف خشبية مزخرفة ذات زركشة هندسية ونباتية ملونة. وفي احد جوانب الغرفة ينتصب سرير النوم ذو واجهة خشبية منقوشة ويكون مرتفع تحاذيه مقصورة صغيرة تستغل لحفظ الاثاث والملابس. في بعض الغرف نجد زاوية مربعة تقابل الباب الغرفة تسمى التثليثة او القبو ذات مقاعد خشبية مستطيلة تقوم بدور بيت الاستقبال. وتعلو بعض المنازل طوابق وتعرف بالعلى يصعد اليه من مدخل يوجد في السقية او احدى زوايا المنزل. وتتحلى واجهات الاعلية بابواب ونوافذ من الحديد المشبك المزخرف. ويتميز المنزل الصفاقسي بتنوعه وزخرفته البديعة من نقس وزركشة على الخشب واعمدة الكذال والجبس وكذلك الجليز الذي يغطي الجدران الداخلية.
الي جانب السكن كانت منازل مدينة صفاقس تلعب دور اقتصادي هام فقد كانت مركز انتاج وتخزين. وكانت النسوة يقمن بغزل الصوف ونسجه في البيت لصنع الغطية والمنسوجات كالبرنس والكدرون وما تزال الكوة التي ينزل منها المغزل الى اسفل الدهليز موجودة في اغلب المنازل. ولم يخلو منزل صفاقسي من مخزن مملوء بالسلع والبضاعات المحلية والمستوردة. ومن اشهر الدور الصفاقسية التي حافظت على عراقتها نجد :
دار السماوي
تقع بنهج بن قدور، وتمتاز عن الدور الاخرى برواق منفرد يمتد امام مدخلها، لا يوجد مثيله الا بدور القاهرة. تمتاز هدوه الدار بسقيفة معقوفة تؤدي الى برطال ذو جناحين متوازيين، ومنه الى الصحن الذي تلتف حوله غرف السكن وللدار اسطبل يميزها عن المنازل الاخرى وتعتبر هذه الدار من اجمل دور صفاقس هيكلة وزخرفا. وتنم عن ثراء اصحابها الذي قد يرجع الى التجارة الشرقية التي كانت تقوم بها عائلة السماوي.
دار بودبوس
تقع بنهج مكة، وهي انموذج هندسي تقليدي شائع اذ تتركب من سقيفة تؤدي الى رواق (برطال) ومنه الى صحن تحيط به ثلاث غرف تقابل اكبرها الرواق ولها تثليثة تلعب دور بيت الاستقبال. للدار علي محدود المساحة يطل على الوسطية من خلال دربوز خشبي يعلو البرطال.
دار الرقيق
توجد بنهج القاضي وتمتاز بسقيفتها المعقوفة التي تودي الى رواق (برطال) ذو جناحين متوازيين، موضوع على اعمدة واقواس وتفتح بداخله غرفه للسكن، وتمتاز دار الرقيق بدهاليزها التي تمتد تحت غرف السكنى الثلاث المحيطة بالصحن. وللدار علي يطل وسط الدار من دربوز خشبي مزخرف.
دار بوشعالة
كائنة نهج القصر وهي نموذج للمنازل الصغيرة بالمدينة تقتصر على غرفتين للسكن وعلو صغير المساحة يعلو البرطال. ما يميز هذه الدار هي واجهتها الحفصية النمط تتكون من مدخل يعلوه قوس خزفي مطموس.
دار الرقيق و “دار العذار” و”دار بوزيد” و”دار الفوراتي”.
دار الجلولي وهي متحف العادات والتقاليد.
المصدر المعهد الوطني للتراث
.png)




.png)

.png)

